facebook_right

حملة مقاطعة مصر: عيبٌ.. وقلّة وعي.. ودعوةٌ للانقسام

 

حملة مقاطعة مصر: عيبٌ.. وقلّة وعي.. ودعوةٌ للانقسام

 
في شهر مارس من عام 2007 كتبتُ مقالاً أرسلتهُ إلى صحيفة (المدينة) بعنوان (أين مصر؟) ونَشَرتهُ الصحيفة بعنوان (دور مصر) احتراماً للشقيقة العربية الكبيرة. بدأتُ المقال مستشهداً بمقطع من مقال للدكتور حسن نافعة يتحدث فيه عن قلقٍ يراودهُ قائلاً: "قضيت أكثر من أسبوع متنقلا بين القاهرة وعمان وبيروت، ورغم قصر المسافة الزمنية التي تفصل بين هذه العواصم الثلاث، فإن المسافة النفسية بينها راحت تتسع على نحو يثير القلق ويكاد يكون غير قابل للتصديق، ولا أظن أنني أبالغ إذا قلت إن المواطن العربي بدأ وهو يتنقل بين العواصم العربية المختلفة، وبالذات بين القاهرة وأي عاصمة عربية أخرى يحس على نحو متزايد بوجود تلك الهوة النفسية الكبيرة كأنه يتنقل بين عوالم، وربما كواكب مختلفة لا تمتّ لبعضها البعض بصلة… بل إن مصر الرسمية بدت في نظر البعض، وكأنها تحاول أن تبني بينها وبين الدول العربية جدارا عازلا يرونه أكثر خطورة وضررا على الطرفين من جدار الفصل العنصري الذي تبنيه إسرائيل فعلا بينها وبين الفلسطينيين!".

ذكرتُ يومها أن الخطير في الكلام صدورهُ عن رجلٍ لا يمكن التشكيك بوطنيته أو المزايدة عليه، فضلاً عن كونه أستاذ علوم سياسية مخضرما والأمين العام لمنتدى الفكر العربي. تحدثتُ في المقال أيضاً عن جملةٍ من الهواجس والمخاوف التي يُعبّر عنها صفوةٌ من المثقفين والكُتاب المصريين قبل غيرهم بشأن دور مصر المُنتظر، وختمته بما ختم به الدكتور نافعة مقاله قائلاً: "غير أن أكثر ما يحز في النفس، في هذا الصدد، أن تبدو مصر مشغولة إلى حد الاستغراق الكامل في تفاهات من هذا النوع في وقت يبدو فيه غيرنا مشغولا باستنفار الأمة وبدعوة مناضليها للجهاد المقدس لإنقاذ المسجد الأقصى، أو بدعوة مفكريها للمساهمة في صياغة وإقرار "مشروع حضاري نهضوي عربي"، وأيا كان الأمر فمن الواضح أن المسافة النفسية التي تفصل مصر الرسمية الآن عن بقية العالم العربي باتت تعادل ذات المسافة التي تفصل بين "المشروع الحضاري النهضوي العربي" وبرنامج «هالة شو»". أعدتُ إثارة الموضوع هنا من مدخلٍ آخر في شهر أبريل الماضي بالحديث حول (عبقرية المكان وعبقرية الفكرة والإنسان).. ويمكن للقارئ الكريم أن يعود للأرشيف أو لموقع كاتب هذه الكلمات للاطلاع على المقالات المذكورة إذا رغب في التفصيل. لا أستعيد هذه الوقائع لأتجنب اتهامي من قبل البعض بالمحاباة والمديح، لأن وجود مثل هذه الاتهامات باتَ جزءاً من واقعٍ يجب أن يتعايش معه المثقف، والحكمُ النهائي فيه دائماً هو للقراء وللتاريخ. وإنما أستعيدها لنضع الموضوع في إطاره الكامل، وننظر إليه بشموليةٍ تقتضيها جدّية الموقف.

سمعت وقرأت منذ ثلاثة أسابيع عن حملةٍ يقوم بها بعض النشطاء الأوروبيين لمقاطعة حركة السياحة إلى مصر والمنتجات المصرية، فشعرتُ بغصّةٍ في الحلق جعلتني حائراً فيما أقوله بخصوص هذا الموضوع. فالمؤلم أن عدة جهات أوروبية منها منظمات لها سمعةٌ محترمة تُشارك في الحملة، والسبب المعلن هو الدفاع عن حق الفلسطينيين المحاصرين في غزة في الحياة..

لكنني استلمت منذ أيام رسالة إيميل عربية تدعو لتعميم المقاطعة المذكورة، وتؤكد على أن هذا من واجب العرب، وتُطالبني كما هي العادة في هذه الرسائل بإعادة إرسالها إلى أكبر عدد ممكن من معارفي. عندها، أحسست أن الموضوع جاوز حدّهُ ولم يعد ممكناً السكوتُ عليه. وكانت أول عبارة خطرت في ذهني أن مثل هذا الأمر عيبٌ، وأنه قلةُ وعي، وأنه دعوةٌ للانقسام.

لن أُطيل الشرح والتفصيل في مقتضيات العبارة الأخيرة، فالمفروض أن يدركَها أي إنسانٍ لديه أدنى إحساس بقيمة مصر، وتاريخ مصر، وما قدمته مصر للعرب والمسلمين على امتداد التاريخ في جميع المجالات. ومع أن قراء هذا المقال يعرفون، فيما آمل، أن صاحبه أبعد الناس عن استخدام التفسير التآمري للأحداث، فإنني سأخاطر عن طيب خاطر بتصنيفي في خانة أصحابه وأقول إنني أكاد أشمّ رائحة مؤامرة في هذا التوجّه، على مستوى من المستويات.

الأخطر في الأمر أن الظاهرة تُعبّر مرةً أخرى عن رسوخ عقلية الاستسهال والسطحية في التعامل حتى مع قضايانا الكبرى والحساسة، حين يُصبح المدخلُ في حالتنا هذه الجريَ بحماسةٍ وضجيج وراء شعاراتٍ رنانة للتنفيس عن مشاعر الرفض والغضب. وإلا، هل يكون طبيعياً أن نعاقب شعب مصر بأسره حين نقاطع بضائع هذا البلد العربي، الأصيلِ رغم أنف الجميع؟ وهل نُعاقب المصريين الشرفاء بأن نحوّل وجهة سياحتنا من القاهرة إلى باريس؟
سأجيب مستشهداً بمقال آخر نشرتهُ بعد زيارة مصر في شهر يوليو من عام 2008 بعنوان (مصر التي نحب) قلت فيه: "كما هي الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، تبقى مصرُ التي نحبّ عرباً ومسلمين.. قد يُنهكها التّعب ويُغير ملامحَها النّصَبُ في هذا الزمن قليلاً.. لكن شيئاً من التركيز في تلك الملامح يُظهر لك أمراً آخر. قد تلمحُ الحزنَ في عينيها.. وتفتقدُ البسمةَ في وجهها من حينٍ لحين.. وقد تسمعُ رنّة الألم في صوتها من آنٍ لآن.. لكنك ستتمكن من رؤية صورةٍ مختلفة إذا نظرتَ بطريقةٍ أخرى.. دعك من طريقة السياحة العربية المعتادة في القاهرة والإسكندرية وشرم الشيخ.. فهذه ليست الطريقة التي يمكن أن ترى بواسطتها مصر الحقيقية".

وبعد أن ضربتُ نماذج لمصر الحقيقية أتمنى أن يطّلع عليها كل قارئ ختمتُ مقالي المذكور، كما أختم هذا المقال، بهذه الكلمات: "تلك هي مصر التي نظلمُ أنفسنا ونظلمها عندما ننظر إليها من خلال صورٍ نمطيةٍ معينة.. وعندما نُركّزُ على جانبٍ واحد من جوانب شخصيتها المليئة بالكمون والمفاجآت.. تلك هي مصر التي نُقصّرُ كإعلاميين ومثقفين، عرباً ومصريين، حين لا نبحثُ عن وجهها الحقيقي لنُظهره، ليس فقط للناس خارجها، بل أحياناً لأهلها أنفسهم.. ليتذكروا من هي مصر.. وماذا يمكن أن تكون.. تلك هي مصر التي نحبّ عرباً ومسلمين".
المصدر: العرب وائل مرزا
 

تعليقات الفيس بوك

مقالات ذات صله