facebook_right

خريف ظفار بسلطنة عُمان.. موعد مع سيمفونية طبيعية

تستقبل محافظة ظفار في جنوب سلطنة عُمان خلال الفترة التي تمتد من 15 يوليو حتى أواخر أغسطس هذا العام موسم “الخريف”، حيث تتألق الطبيعة بجمالها الأخّاذ، وتكسو الأرض حلة خضراء تنبسط على السهول والجبال والوديان فخلال هذا الموسم تتأثر محافظة ظفار بالرياح الموسمية الجنوبية الشرقية القادمة من المحيط الهندي، حيث تهطل الأمطار، وتسبب هذه الرياح في تكوّن الضباب الكثيف، وينهمر الرذاذ على الأودية، وتُحجب الشمس معظم فترة الخريف، ويتراوح معدل الأمطار بين 27-150 مليمتر.



وتكون السهول والروابي مرتعاً خصباً لقطعان الماشية من الإبل والأبقار والأغنام إيذاناً ببدء موسم الرعي.

وتنقسم هذه المحافظة من حيث التضاريس إلى ثلاثة أقسام رئيسية: هي السهل الساحلي الخصيب الممتد على طول بحر العرب، حيث تقع مدينة صلالة، وجبال ظفار التي يبلغ أقصى إرتفاع لها ألفا وستمائة متر وتقع شمال السهل الساحلي، ويبلغ طولها حوالي مائتين وثلاثين متراً، ومنطقة النجد الصحراوية التي تتوغل في رمال الربع الخالي، ويسود محافظة ظفار مناخ معتدل صيفاً وشتاءاً على السواء، ولا تتعدى درجة الحرارة 30 درجة مؤوية طوال العام، فضلاً عن أشهر الخريف التي تنخفض فيها الحرارة إلى أدنى مستوى لها.

ويشهد مهرجان ظفار كل عام نجاحاً لافتاً نظراً إلى الأعداد الكبيرة من المواطنين العمانيين والخليجيين والأجانب الذين يتوافدون على هذه المنطقة السياحية الشهيرة، حيث تتوفر الإنجازات الجديدة على الأرض كل سنة. وهذا ما دعا ممثلي الشركات السياحية الألمانية والاسكندنافية – على سبيل المثال لا الحصر – إلى الإشادة بالمقومات السياحية التي تتميز بها سلطنة عُمان، حيث أكدت تلك المؤسسات أن السلطنة مهيأة بإمكانياتها السياحية لأن تكون بلداً سياحياً كبيراً خلال السنوات المقبلة.





في إطار مواكبة ما يشهده مهرجان صلالةالسياحي 2009م من تطور ونقلة نوعية في فعالياته وأنشطته في كل عام أكد الشيخ سالم بن عوفيت بن عبد الله الشنفري رئيس بلدية ظفار أنه تم الانتهاء من التجهيزات لكافة الفعاليات والأنشطة المتنوعة في كافة المجالات الفنية والثقافية والتراثية وذلك تحقيقاً لشعار المهرجان ملتقى الأسرة كما اتسع النطاق الجغرافي الذي تغطيه هذه الفعاليات المتنوعة كماً وكيفاً وعلى مدار 48 يوماً وكذلك التجهيزات اللازمة لذلك بالمركز والاعلان والترويج للمهرجان.

إن حفل افتتاح مهرجان صلالة السياحي 2009م يعتبر هو التدشين الفعلي لجميع فعاليات ومناشط المهرجان، ويعتبر اهم حدث بالمهرجان ولذلك فقد تم اختيار المسرح الدائري بالقرية التراثية لتقام عليه لأول مرة فعاليات حفل الافتتاح لهذا العام، وقد تكون الطاقم المكلف بحفل الافتتاح من عدة فنيين وإشرافيين.

ويتكون حفل الافتتاح لهذا العام الذي يحمل اسم أوبريت أرض الخير والرخاء من 6 لوحات غنائية استعراضية وبها أكثر من لحن ونقلة موسيقية ويضم هذا العمل مجموعة من الأسماء والمختصين بقيادة الملحنين العمانيين من ضمنهم على سبيل المثال وليس الحصر سعيد بن سيف الكعبي ودين بن غالب الشنفري، مع مشاركة فنانين عمانيين للمشاركة بأصواتهم في اللوحات الغنائية وعدد من الشعراء اعمانيين قاموا بكتابة النصوص الشعرية.


وقد ساهمت الحكومة العُمانية خلال السنوات الماضية في إقامة العديد من الخدمات والمرافق السياحية باعتبارها أداة فعالة لتطوير قطاع السياحة وتفعيل هذا النشاط من خلال الأنشطة والفعاليات التي تقام في موسم الخريف. ومن هذه الفعاليات التي أقيمت خلال السنوات الماضية مهرجان الخريف الذي تشرف عليه المديرية العامة للسياحة، ومخيم أصدقاء البلدية، حيث كان لتلك الفعاليات الأثر الكبير في الترويح السياحي. كما تمثلت جهود ترويج السياحة في انتشار العديد من الفنادق والاستراحات في بعض السهول والمرتفعات، كما شارك القطاع الخاص في إنشاء بعض المرافق السياحية مثل المطاعم والفنادق والشقق الفندقية ومراكز ألعاب الأطفال، كما أنشئت القرية السياحية بالقرب من قرية مرباط.


وتتوفر في سلطنة عُمان مجموعة من العناصر الأساسية التي تجعل من عملية السياحة ناجحة، واهم هذه العناصر هو الأمان. فالسياحة كنشاط يتأثر بشدة بمدى إحساس السائح بالأمان وأنه غير مهدد في حياته أو ممتلكاته، وهذا العنصر متوفر في عُمان.


وعندما تقارن محافظة ظفار بمعظم مناطق شبه الجزيرة العربية تستحق بجدارة ذلك الاسم الذي أطلقه عليها وندل فلبس بأنها “جنة المناظر الخضراء”، وذلك لما تتمتع به من مزايا ومقومات، وانفرادها بمناخ متميز باعتداله طوال العام، إضافة إلى شهرتها التاريخية بإنتاج اللبّان الذي كان يستخدم في الطقوس الدينية في مصر وبلاد ما بين النهرين وبلاد الروم واليونان والهند، ولا يزال ينتج إلى يومنا هذا، ومن أشهر مواني تصديره ميناء سمهرم الذي يقع في ولاية طاقة، وكذلك ميناء البليد والتي كان يطلق عليها اسم المنصورة.

ويحظى اللبّان باهتمام بالغ من الناحية الطبية، اذ أنه علاج لكثير من الأمراض، وكان القدماء يستخدمونه مقوياً للمعدة والقلب وعسر الهضم وزيادة الشهية، ويستخدمه الأهالي في ظفار في ماء الشرب اعتقاداً بأنه يساعد على الادرار وجعل الماء بارداً، وفي تعطير منازلهم، وكذلك في الأعراس اعتقاداً بأنه يحصن العريس من الأعين الشريرة.

ومن بين التقاليد المعمول بها في محافظة ظفار ما يحدث عند الزواج الأول للرجل حيث يعدون المباخر الضخمة من الفخار ويحملونها – عادة – فوق الرؤوس يملؤونها بكمية من الرماد توضع فوقه جمرات من الخشب المحترق ثم تلقى عليها فصوص من ثمار اللبّان، تذوب ويتصاعد البخور منتجاً رائحة منعشة ومحببة.

كما أن دولا صناعية لا زالت تطلب اللبّان للانتفاع به في صناعة الأدوية والزيوت والمساحيق والعطور والشموع الخاصة، كما أن أصحاب بعض العقائد الدينية يتهافتون عليه لاستخدامه في المعابد، وجميعها أنماط مهمة يمكن تنميتها لتحويل “الشجرة العجيبة” إلى مصدر من مصادر الدخل القومي للبلاد.


ومن هذا المنطلق تحرص الدولة على أن تعيد للبّان مجده وشهرته، وذلك من خلال ما تقدمه من تشجيع لزراعته وزيادة انتاجه، وتوفير منافذ تسويقية جديدة له.


وتتمتع محافظة ظفار بشواطيء جذابة وغنية بطبيعتها المميزة حيث توجد الكهوف والمداخل المعرّجة، والخيران المزدحمة بالطيور. ففي شمال المحافظة يوجد خور “أركحل” الذي يزدحم بآلاف من طيور الفلامنغو والطيور البحرية الأخرى خصوصاً خلال فصل الشتاء، وخور “سينور 9” بالاضافة الى شواطيء الشويمية التي تريح النفس وتدعو زوارها لمزيد من الاستكشاف. أما في جنوبها فتتميز المحافظة من صلالة وحتى مرباط بشواطئها الجميلة وأهمها شواطيء القرم – خور صلالة – خور البليد – خور الدهاريز – خور صولي – خور أثيب – وخور روري – وشواطئ مرباط، الى جانب بعض الشواطيء القريبة غرب صلالة مثل شواطيء ريسوت والمغيسل التي تتواجد فيها تكوينات صخرية مثيرة لاهتمام الزوار حيث تحتوي على ثقوب تخرج منها مياة المد العالي على شكل نوافير عالية الارتفاع متنوعة الأشكال.




وهناك شواطيء مدينة مرباط التي يجد فيها هواة التزلج على أمواج البحر المنكسرة مكاناً جميلاً لممارسة هوايتهم.

كما ينتشر العديد من الأودية والعيون في المحافظة، وتنحدر معظمها من الجبال، ومن أهمها وادي دربات المعروف بشلالاته المائية في فصل الخريف. كما يوجد وادي أنضار في ولاية ثمريت بالاضافة الى وادي مقشن الذي يعد من أكبر الأودية المائية في ولاية مقشن. وتوجد بالمحافظة العديد من العيون القريبة من سهل صلالة حيث تجري بها المياه على مدار السنة، وتتكاثر حولها الأشجار والأعشاب الخضراء، وأهم هذه العيون عين رزات وعين جرزيز وعين صحنوت وعين حمران.

ولعل أكثر التكوينات الجيولوجية الطبيعية إثارة في ظفار هي الثقب الصخري الضخم في طاوي، على الطريق الى جبل سمحان، ويقال بأن الكهف الذي يبلغ عمقه 250 متراً يمكن أن يستوعب عدة طائرات بوينغ متوسطة الحجم.


ويعتقد بأن هذا التجويف الجيولوجي المثير الذي يطلق عليه اسم “بئر الطيور” تكون نتيجة لتآكل الطبقة الجيرية السفلية على مر العصور.

وتزخر محافظة ظفار بثروة سمكية هائلة نظراً الى إطلالها على البحار المفتوحة- بحر العرب والمحيط الهندي – وفي مقدمتها سمك السردين الذي يستخدمه الأهالي علفاً للحيوان وسماداً للمزروعات الى جانب كونه من أهم الأسماك الغنية بالبروتين والفوسفور وهي غذاء مرغوب للانسان. كما توجد أنواع أخرى وفيرة ومتعددة من الأسماك التي أصبحت تشكل – الآن – واحدة من مصادر الدخل القومي للسلطنة، وربما جاء في مقدمتها الشارخة والصفيلح والروبيان.

ومن الولايات الساحلية الهامة هناك ست ولايات- طاقة ومرباط وسدح والشويمية وجزر الحلانيات، وتقع الى الشرق من ولاية صلالة، والى الغرب منها تقع ولايتا رخيوت وضلكوت، وتعد الولايات الست بمثابة مراكز تموينية ومنافذ مفتوحة لمناطق الجبال.

ولعل من الملاحظ بالنسبة لمدينة صلالة أنه ما من أحد وطئت قدماه أرض هذه المدينة الفاتنة إلا وقع أسير هواها، وأخذته الدهشة بجمالها، ووقف مفتوناً بهذا الاعجاز الطبيعي الفريد لتلك البقعة الزمردية الواقعة بأرض تسودها الحرارة العالية والرمال الحارقة والأمطار الشحيحة، فيفاجأ بالخضرة الوارفة تغطي روابيها والنسمات الخريفية الندية تعطر أجوائها بفعل الأمطار الغزيرة التي يجلبها المنحنى الواقع بمنطقة الضغط المنخفض للساحل العماني الجنوبي قادماً من المحيط الهندي أثناء رحلته الطويلة الى شبه القارة الهندية، مما يجعل من صلالة معجزة ارصادية حقيقية.


تلك المدينة التي تقع في مواجهة بحر العرب تماماً، والتي ما غالبا ما يقع زائرها أسير الاعجاب بالتباين الواضح في مناظرها الطبيعية الخلابة التي تشكل منها ساحل منطقة ظفار لوحة بالغة الروعة بسبب ما تتعرض له من رياح موسمية تثير أمواج البحر المتلاطمة، وتجعل من الرحلة عبر هذا الساحل متعة لا تضاهى لرؤية الشواطيء المرصعة بالصخور الضخمة والبحيرات الهادئة والخيران اللاذوردية فتضيف بهاء يأخذ الألباب، حتى اذا ابتعدت عن الشاطيء قليلا وضربت في أعماق صلالة غرقت في متعة أكبر وسط الحقول والمرتفعات الخضراء بين القلاع المتناثرة هنا وهناك، وهي تقف شاهدة تحكي عظمة التاريخ العُماني وأصالته، وابداع الانسان العُماني على مر الأزمنة.






وهناك في الغرب – في محافظة ظفار تتساقط المياة من على ارتفاع ألفي قدم بجبل “قمر” وتأخذ طريقها إلى البحر في منظر مهيب جدير بالرؤية، فمن هذا الموقع يستطيع الزائر أن يسلك الطرق الجبلية المتعرجة عبر وادي “أفوال” إلى قرية صيد الأسماك “رخيوت” بأبنيتها العتيقة والتي كانت في يوم ما عاصمة لغرب ظفار.

وما من مكان يحيط به المرء رحاله في هذه البقعة من الأرض إلا ويشعر أنه محاط بالخواص الساحرة لتلك الحضارات القديمة التي شيدها أهل ظفار، وتشير إلى أصالة ثقافتهم وتاريخها الطويل فتنتشر على نطاق واسع القبور التي تعود إلى فترة ما قبل الاسلام والتي يعود تاريخ بعضها لأكثر من ألفي عام، ومنها القبر الذي يقال أنه قبر النبي أيوب في مسجد بن على الذي يعود تاريخ إنشائه لحوالي 800 عام، وكذلك بقايا قصر الملكة الأسطورية “شيبه”، وهي كلها تقف شواهداً على الحضارة القديمة التي سادت منطقة ظفار.

ولقد ظلت مدينة صلالة ومنطقة ظفار بأكملها لآلاف السنين تشكل مركزاً لثروة غالية وحلقة اتصال هامة بين أوروبا والشرق الأقصى، وأعتمد قاطنو الجبال في رزقهم لقرون عديدة على الثروة الكبيرة التي حققوها من تجارة البخور والخيول التي تزخر بها منطقتهم الغنية. وأفضل أنواع البخور ينمو بهضبة “نجد” ويتم نقله بواسطة الجمال ثم عبر البحر إلى شتى بقاع العالم. وعلى الرغم من أن البخور لم يعد عماد إقتصاد منطقة ظفار إلا أنه حتى يومنا هذا يتم تصديره إلى أقطار عديدة لما يتمتع به من رائحة ذكية حتى أنه يشكل حالياً المادة الخام لعطور عُمانية يتم تصنيعها في عُمان وتلقى رواجاً عالياً وكبيراً.

ولا يجد الزائر لمحافظة ظفار صعوبة تذكر في الوصول لمعظم مناطقها التي لا تبعد كثيراً عن مدينة صلالة. وتمتد طرق السيارات المزدوجة من حدائق المعمورة في شرق المحافظة إلى ميناء ريسوت بأقصى غربها. إلا أن أهم تطور تشهده المحافظة هو تشييد شبكة واسعة من الطرق المعبدة التي سهلت من أمر الوصول الى مناطق كان مجرد التفكير في زيارتها ضرباً من المستحيل.

ويأخذك الطريق الذي ترعاه وزارة البريد والبرق والاتصالات إلى غرب منطقة المغسيل حيث يمتد لمسافة سبعين متراً داخل الخور العريض، ويرتفع فوق سطح البحر إلى 220 متراً وصولا لهضبة جنوب غرب ظفار، ويربط هذا الطريق حالياً مدينة صلالة بالطريق المعبد الذي يقودك إلى منطقة صرفيت في الجنوب. كما أن المسافة بين مسقط وصلالة والتي تصل إلى ألف كيلومتر أصبح بالامكان قطعها خلال ساعات قليلة عبر الطريق المعبد، وهي المسافة التي ظلت إلى خمسة عشر سنة مضت تتطلب أياماً عديدة لقطعها تتعرض خلالها السيارات لخطر الغوص في رمال الصحراء الناعمة والقاسية أيضاً.

أما الوسيلة الأسرع والأيسر للتنقل بين مسقط وصلالة فهي استخدام الطائرة التي تتيح للزائر فرصة الاستمتاع بالمناظر الطبيعية أثناء التحليق على الارتفاعات الشاهقة، وتوجد رحلات جوية منتظمة تأخذك من مسقط إلى صلالة في أقل من ساعة. أما إن كنت من هواة السفر عبر الطرق البرية فيمكنك أن تصل إلى عروس ظفار في ظرف إحدى عشر ساعة داخل سيارتك أو إحدى حافلات النقل العام المكيفة التي تُسير رحلات منتظمة.

والسفر إلى صلالة بالطريق البري تجربة مثيرة تحقق لقائد السيارة أو راكبها متعة المشاهدة على جانبي الطريق الذي لا يعاني إزدحاماً في حركة المرور إلى جانب توفر الموتيلات الحديثة والاستراحات الأنيقة بامتداد الطريق وهي مجهزة بكافة وسائل الراحة والخدمات وتتوفر أيضاً بصلالة مجموعة فنادق فاخرة تعمل على توفير أسباب الراحة والمتعة لزوار المدينة وتقدم ألوان الأطعمة الشهية التي تناسب كافة الأذواق وتعد أسعار الاقامة بها في متناول الجميع.

على أن المشكلة الحقيقية التي تواجه الزائر لهذه المدينة الساحرة هي كيف يمكنه مغادرتها عندما يحين وقت الرحيل وقد أسرته ذكرياتها الجميلة وارتبط بمفاتن سواحلها وطبيعتها الندية الخضراء ونسماتها الخريفية المنعشة وما انطبع في ذاكرته من مشاهد التراث العريق لأهلها وبيوتها وقلاعها، ولا يبقى له من سلوى سوى حلم العودة إلى هذه الحاضرة المدهشة في أقرب وقت يتاح له!


ميدل ايست اونلاين

تعليقات الفيس بوك

مقالات ذات صله