كربلاء.. مدينة الحزن التاريخي

مع بداية كل عام هجري تستعد مدينة كربلاء لاستقبال آلاف الزوار الشيعة الذين يقصدون زيارة العتبات المقدسة من مختلف المدن العراقية وبعض البلدان الأخرى كالهند وباكستان وإيران وأفغانستان، اضافة الى بعض البلدان العربية.


وللحزن في هذه المدينة التي تقع على بعد 105 كم إلى الجنوب الغربي من العاصمة العراقية بغداد مظاهر عديدة في عاشوراء، تبدأ برفع الرايات السود على أسطح المنازل والدوائر الحكومية وتعليق اليافطات السوداء التي تحمل عبارات الحزن والرثاء للإمام الحسين، الإمام الثالث لدى المسلمين الشيعة الامامية، ومن قتلوا معه في واقعة الطفّ سنة 61 للهجرة.

وهناك المواكب الحسينية التي يرافقها اللطم على الصدور وتطبير الرأس بآلة تسمى القامة وجلد الظهور بالسلاسل، التي تسمى عراقيا بـ”الزناجيل”، إضافة إلى الأناشيد الدينية التي ترتل قصائد خاصة بالمناسبة، وارتداء الملابس السوداء أو التوشح بقطعة قماش سوداء أو خضراء، ورفع البيارق. في اليوم الاخير من عاشوراء تقام ما يسمى بـ”التشابيه”، التي يجري فيها تمثيل بعض المشاهد الاستعادية من واقعة الطف، كما تجري قراءة وقائع معركة الطف والتي تسمى “قراءة المقتل”، والتي كان نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين يسمح ببثها من الإذاعة الحكومية، على عكس ركضة طويريج التي كان يحظرها، وهي تبدأ ليلا من منطقة طويريج أي مدينة الهندية، التي ينطلق الزوار منها سيرا على الأقدام، حتى يصلوا مشارف كربلاء، ثم يبدأ الركض بعد صلاة الظهر وهو الوقت التي تذكر المصادر التاريخية أن معركة الطف انتهت فيه، باتجاه ضريحي الإمام الحسين وأخيه العباس، وتعد ركضة طويريج طقسا من طقوس اليوم الأخير من عاشوراء وتحمل دلالة نصرة الشيعة للإمام الحسين، بعد انتهاء معركة الطف.

ومن مظاهر عاشوراء أيضا السرادقات الكبيرة التي تنصب في الشوارع وعند الطرق الخارجية لإيواء الزوار وتقديم الغذاء لهم، خصوصا وان بعضهم يأتي مشيا على الإقدام طلبا للثواب والشفاعة من الإمام الحسين وهو ابن بنت النبي محمد انطلاقا من قاعدة فقهية تقول إن “الأجر على قدر المشقة”.

تزدحم أزقة كربلاء وشوارعها الصغيرة باستمرار بآلاف الزوار ولكنها تشهد في مناسبات معينة حشودا تقدر بالملايين، لاسيما في زيارة عاشوراء، وزيارة والعشرين من صفر فضلا عن زيارة النصف من شعبان، وتضيق المدينة بأزقتها الفرعية وشوارعها الرئيسة بالملايين من الناس الذين زحفوا نحوها قبل أسبوعين من موعد زيارة الأربعين فيفترش آلاف الناس الأرض فيما تمتلئ الفنادق وبيوت الضيافة، بينما يفتح سكان المدينة بيوتهم لاستقبال الزوار طلبا للثواب أيضا.

أبو أحمد المسعودي، واحد من عشرات الأشخاص الذين يفتحون منازلهم لإيواء الزوار في عاشوراء، وفي أربعينية الإمام الحسين، يرى أنه “أقل عطاء من عطاء الحسين”، على حد تعبيره.

المدينة تشتهر بعد معركة ألطف

تبلغ مساحة مدينة كربلاء حوالي 53 ألف كم مربع، تحاذيها من بعض الجهات بساتين كثيفة بينما تنفتح من الناحية الغربية على هضبة رملية واسعة تمتد باتجاه الأردن والسعودية.

كانت المدينة مقبرة للمسيحيين قبل الإسلام، كما عرفت في العهد البابلي بـ”كور بابل” أي مجموعة قرى بابلية، ومازالت آثار كنيسة قديمة بادية عند أحد الطرق المؤدية إلى كربلاء، ولكن هذه المدينة اكتسبت شهرة فائقة بعد واقعة ألطف التي شهدتها سنة 61 للهجرة حيث قتل فيها مجموعة من أبناء خليفة المسلمين الرابع علي بن أبي طالب وأحفاده الذين هم في الوقت نفسه أبناء وأحفاد لبنت النبي محمد “فاطمة الزهراء” وقد اندلعت تلك المعركة بعد أن رفض الإمام الحسين بن علي إعطاء البيعة ليزيد بن معاوية حاكم بلاد الشام آنذاك، الذي إصر بدوره من خلال قائده الميداني عمر بن سعد على أن يبايعه الحسين أو يقتل وتسبى عياله.

ومنذ ذلك التاريخ أصبحت قبور الحسين وأصحابه مزارات ذات قباب ومنارات مذهبة يقصدها ملايين الناس على مر الأيام، وقد منعت طقوس عاشوراء، من قبل العديد من الحكام الذين تعاقبوا على حكم العراق كان آخرهم الرئيس العراقي السابق صدام حسين الذي منع أداء تلك الطقوس.

ويقول الحاج يونس آل سلمان 65 سنة، في حديث لـ”نيوزماتيك” إن “الزوار أيام النظام العراقي السابق كانوا يلجأون إلى الطرق الملتوية عبر البساتين بهدف الوصول إلى مرقد الحسين، والرجوع سريعا بعد أداء الزيارة”، ويضيف إن “الأمر تغير بعد 2003 وأصبح الناس أحرارا في زيارة العتبات المقدسة وقت يشاءون”.

لم يتوقف استهداف الزوار والعتبات المقدسة الشيعية بانتهاء نظام صدام حسين، فقد تعرضت قوافل الزوار في السنوات التي تلت سقوط صدام إلى هجمات عدة أودت بحياة المئات، هجمات وصفت بأنها كانت محاولات لإشعال نار فتنة طائفية في العراق.

ولكن مع ذلك فقد اظهر “ملايين الزوار” بحسب تقارير وزارة الداخلية العراقية والمسؤولين في كربلاء، إصرارا على إتمام الزيارة كنوع من التحدي، لاسيما انها تعتبر من “العقائد المهمة لدى الكثير من المسلمين” كما يقول أحد الزوار الأجانب الذي استفز على ما يبدو من سؤالنا له عن مدى مخاوفه من المخاطر التي ترافق رحلته إلى كربلاء، ويقول “روحي ليست بأغلى من روح الحسين، وأتمنى أن اسقط شهيدا على هذه الأرض المقدسة”.

واللافت أن زيارة العتبات المقدسة في كربلاء وعموم العراق لم تقتصر على الشيعة فقط، بل يمكن مشاهدة المسلمين من الطوائف الأخرى وهم يؤدون الصلاة بكل اطمئنان في حرمي الإمام الحسين وأخيه العباس على طرقهم الخاصة، والجدير بالاهتمام أيضا أن مواكب لغير المسلمين ومن المسيحيين تحديدا قدمت من شمال العراق وشاركت في إحياء ذكرى عاشوراء العام الماضي، في تظاهرة تكشف أن للمحبة والتعايش آفاقا رحبة لم تتمكن أعمال العنف من إغلاقها.

الطريق إلى كربلاء

ومن أجل حفظ الأمن في مدينة كربلاء في ظل أوضاع أمنية مربكة تشكلت غرفة عمليات خاصة لإدارة الخطة الأمنية وحضر إلى كربلاء كبار قادة الجيش أبرزهم قائد القوة البرية الفريق علي غيدان الذي قال في حديث سابق لنيوزماتيك ان “الخطة التي وضعت لحماية كربلاء خلال زيارة عاشوراء تتضمن إحاطتها بثمانية أطواق أمنية، فضلا عن إرسال لواء من الجيش العراقي لتعزيز الإجراءات الأمنية في كربلاء”، فيما قال قائد عمليات محافظة كربلاء، اللواء الركن عثمان الغانمي، أن الخطة تضمنت كذلك “نشر 28 إلف عنصر أمني داخل مدينة كربلاء” لافتا إلى “تطبيق إجراءات أمنية ساندة لخطة كربلاء الأمنية في كل من بغداد وبابل والكوت والنجف والديوانية.”

طقوس دينية تنعش اقتصاد المدينة

لم يكن يزيد عدد سكان كربلاء الأصليين على الـ 300 ألف نسمة إلا انه في السنتين الماضيتين قد زاد عدد سكانها بشكل كبير ليصل إلى نحو 750 ألف نسمة، بعد أن توطنت فيها مئات العائلات التي نزحت من مدن عراقية أخرى. وأسهمت حركة الزوار الأجانب في تحريك السوق التجارية في كربلاء، ما أغرى مئات الاسر على التوطن في المدينة بهدف الارتزاق، ويقطن هؤلاء على أطراف المدينة في أحياء تنقصها الخدمات ويسودها الإهمال، ويقول أبو جبار ” قبل عشر سنوات تقريبا كنت أعمل سائقا في الناصرية، ولكن لم يحالفني الحظ هناك فجئت إلى كربلاء لأن حركة الزوار تساعد على كسب أفضل”.

مهنتا التجارة والفندقية هما المهنتان الرئيستان في كربلاء، لأنهما تشهدان تناميا بفضل السياحة الدينية، حيث يعمل المئات من الأشخاص في مجال السياحة الفندقية، ويكاد لا يخلو زقاق في وسط كربلاء من فندق، حتى تجاوز عدد الفنادق والمساكن المخصصة لاستقبال الزائرين الـ300 فندق ومنزل.

بالإضافة إلى ذلك تسهم السياحة الدينية في توفير فرص عمل لعشرات الشباب والصبية الذين يبيعون الألبسة الجاهزة ولعب الأطفال في محيط الحرمين، حيث يميل الزوار الأجانب لشراء هدايا لأسرهم وأقربائهم يطلقون عليها الـ” صوغة”، يحتفى بها تبركا لأنها من مدينة مقدسة وفقا للمعتقد السائد.

ويقول عبد الهادي وهو بائع أقمشة إنه “يكسب أكثر من مئة ألف دينار في اليوم حين يزيد عدد الزوار الأجانب على الخمسة ألاف زائر يوميا” بينما قال أبو حيدر وهو بائع ألبسة جاهزة إن ربحه قد يتجاوز ألمائتي ألف دينار إذا كان عدد الزوار يتجاوز الخمسة آلاف زائر”.

انعكست حركة الزوار الأجانب أيضا على مداخيل أصحاب الفنادق” وبلغت أرباح بعضهم الملايين “، بحسب مجيد أبو دكة صاحب احد الفنادق.

وعلى الرغم من انتعاش الحركة السياحية في كربلاء خلال السنة الأولى التي أعقبت سقوط نظام الرئيس العراقي السابق لازال أصحاب الفنادق يشكون من قلة عدد الزوار ويقول محمد جاسم ألمنكوشي صاحب فندق الفنار “إن عدد الزوار الأجانب محدود، وتحكمه اتفاقية لا تسمح على سبيل المثال لأكثر من 1200 زائر إيراني بعبور الحدود باتجاه المدن المقدسة في العراق(كربلاء، النجف، الكاظمية)، وهذا العدد قليل إذا ما قيس بعدد سكان المدينة وعدد الفنادق الموجودة فيها”.

ثلاثة ملايين زائر دخلوا كربلاء

من جهته توقع رئيس لجنة السياحة الدينية في كربلاء عبد الحسن الفراتي أن يزيد عدد الزائرين المشاركين في إحياء زيارة عاشوراء، لهذا العام، و منذ الأول من محرم وحتى اليوم الأربعاء، على الثلاثة ملايين زائر.

ويقول الفراتي في حديث لـ”نيوزماتيك”، إن “ثلاثة ملايين الثلاثة من الزائرين، شاركوا في إحياء طقوس عاشوراء، بينهم 75 ألف زائر قدموا من خارج العراق، وخصوصا من إيران والهند وباكستان ودول الخليج”.

واعتبر الفراتي أن العدد الكبير من المشاركين في إحياء ذكرى عاشوراء “يكشف عن أن حركة الزائرين باتجاه كربلاء ستكون كبيرة مستقبلا”، حسب تقديره.

ولاحظ اهالي كربلاء مشاركة زوار من الهند أقاموا مواكب عزاء كبيرة، ونصب زائرون من دول أخرى سرادقات خاصة بهم، بينما اشتكى بعض الزائرين الإيرانيين من “تلكؤ انسيابية المرور” من منفذ مهران- بدرة الحدودي إلى الشرق من محافظة واسط.

ويقول الزائر الإيراني غلام رضا كمال كاشاني، في حديث لـ”نيوزماتيك”، إن “آلاف الزائرين ينتظرون على منفذ مهران بسبب تلكوء الجانب العراقي في إتمام إجراءات العبور”، مضيفا أن “الظروف البيئية وانخفاض درجات الحرارة سبب معاناة كبيرة للزائرين، خصوصا أن معظم هؤلاء من كبار السن”.

ويشير زائر إيراني آخر، علي بور تبريزي، إلى أن الزائرين الإيرانيين “يضطرون أحيانا لقضاء 24 ساعة على الحدود قبل أن يسمح لهم بالدخول”.

ويرجع تبريزي سبب ذلك إلى “اعتماد المنافذ الحدودية العراقية على عدد محدود من الموظفين لإنجاز إجراءات الدخول، في مقابل أعداد كبيرة من الزائرين”.

ويحمل رئيس لجنة السياحة الدينية عبد الحسن الفراتي مديرية المنافذ الحدودية مسؤولية الصعوبات التي يواجهها الزوار القادمون عبر منفذ مهران- بدرة، ويطالب المديرية بأن “تزيد من عدد الموظفين في تلك المنافذ لتسهيل عبور الزائرين إلى العراق” لافتا إلى أن “من يقصدون العراق عبر إيران بهدف زيارة العتبات المقدسة ليسوا من الإيرانيين فقط بل منهم من جنسيات أخرى”.

ويدعو رئيس لجنة السياحة الدينية في كربلاء إلى تخفيف بعض “القيود” المفروضة على الزائرين، معتبرا أنها “من مخلفات قوانين صدام”، ومنها “مدة الإقامة المحددة بعشرة أيام، وآلية الفحص من الأمراض الخطيرة مثل الإيدز” حيث يجب على الزائر وفقا لتعليمات وزارة الصحة مراجعة دوائرها خلال عشرة أيام من دخوله إلى العراق لإجراء الفحوصات الطبية.

يذكر أن عددا كبيرا من الزائرين أحيوا زيارة عاشوراء اليوم الأربعاء التي تصادف ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي، الامام الثالث لدى المسلمين الشيعة الأمامية، في العام 61 للهجرة، وجرى إحياء المناسبة وسط إجراءات أمنية مشددة، إذ تم إغلاق مركز المدينة بوجه حركة السيارات منذ صباح أمس.


المصدر : صوت العراق




تعليقات الفيس بوك

تعليقات

مقالات ذات صله