في صباح الجمعة الرابع والعشرين من مايو 2013، غادرت جانيت فرج عالمنا عن عمر يناهز 76 عاماً، بعد وعكة صحية حادة ألمّت بها وأُدخلت على إثرها مستشفى المعلمين، حيث أمضت فترة في وحدة العناية المركزة إثر أزمة تنفسية حادة. وعلى الرغم من أن حالتها بدت تتحسن في البداية، فإن المنية كانت أسرع. فُقد بذلك صوت ظل يرافق الشاشة المصرية أكثر من ثلاثة عقود، ولم يكن مجرد صوت مذيعة، بل كان صوت إعلام سياحي مصري بأسره.
وُلدت جانيت فرج في مصر في ثلاثينيات القرن الماضي. تلقّت تعليمها في مدرسة الراهبات حيث أتقنت اللغة الفرنسية منذ نعومة أظفارها، ثم التحقت بكلية الآداب جامعة القاهرة وتخرّجت من قسم الصحافة عام 1967. بدأت مسيرتها المهنية في التليفزيون المصري عضواً في لجان فحص الأفلام العربية والفرنسية، قبل أن تنتقل مع فصل القنوات عام 1980 إلى إدارة خدمة المجتمع والسياحة في القناة الثانية.
ثلاثون عاماً من «خمسة سياحة»
ذاع صيت جانيت فرج بفضل برنامجها السياحي «خمسة سياحة»، الذي لم يكن مجرد برنامج تليفزيوني بل كان بمثابة نافذة افتُتحت للمشاهد العربي على بلاده وهو جالس في بيته. على مدى أكثر من ثلاثين عاماً متواصلة، اصطحبت جانيت المشاهدين إلى كل ركن من أركان مصر السياحية: من أعماق وادي الملوك في الأقصر إلى شواطئ الغردقة وشرم الشيخ، ومن واحات سيوة وسط الصحراء إلى أزقة القاهرة الفاطمية. في زمن لم تكن فيه شبكة إنترنت ولا أدلة سياحية رقمية، كانت هي الدليل، وكان البرنامج هو الخريطة.
غير أن مسيرتها لم تقتصر على «خمسة سياحة». قدّمت على امتداد سنوات برامج متنوعة تركت كلٌّ منها أثراً خاصاً في ذاكرة المشاهد، من أبرزها:
- «مرحباً» — برنامج ترحيبي يجمع بين اللقاءات الإنسانية والتعريف بالمناطق المصرية
- «الفرسان الثلاثة» — من البرامج الشبابية التي حظيت بمتابعة واسعة
- «القاهرة في ألف عام» — رحلة في عمق التاريخ المعماري والحضاري للعاصمة
- «مسافر على الهواء» — برنامج يقدم الوجهات السياحية بأسلوب حي ومباشر
- «شباب حول العالم» — نافذة للشباب المصري على محافظات بلادهم وتجارب أقرانهم
- «مصر التي في خاطري» — آخر برامجها على الشاشة، وكأنها ودّعت بها جمهورها
هذه البرامج مجتمعةً ترسم صورة إعلامية متكاملة لامرأة آمنت بأن السياحة ليست نشاطاً ترفيهياً فحسب، بل هي وعي وطني وثقافي يُبنى عبر الشاشة قبل أن يُمارَس على الأرض.
مديرة وصانعة مؤسسات
خلف الكاميرا، كانت جانيت فرج تضطلع بأدوار إدارية لا تقل أهمية عن عملها في الأستوديو. تقلّدت على التوالي منصب مديرة إدارة الشباب بالقناة الثانية، ثم مديرة إدارة التراث بالبرامج الثقافية، فمديرة إدارة خدمة المجتمع والسياحة، وصولاً إلى قائم بأعمال مدير عام البرامج الثقافية، ثم مديرة عامة للبرامج بالقناة الأولى، وانتهت مسيرتها الإدارية برئاسة الإدارة المركزية للمكتبات حتى خروجها على المعاش. وبعد التقاعد لم تتوقف، بل واصلت العمل معدّةً للبرامج وكاتبةً للسيناريو.
والأهم من كل ذلك أنها كانت عضواً مؤسساً لجمعية الكتّاب السياحيين في مصر، تلك المؤسسة التي سعت إلى ترسيخ الصحافة السياحية بوصفها تخصصاً مهنياً قائماً بذاته، لا مجرد باب جانبي في غرف الأخبار.
تنعى «المسلة» زميلةً من أسرتها ورفيقةً في مسيرة الإعلام السياحي العربي، وتتقدم بخالص العزاء لأسرة الراحلة وذويها ولجميع أعضاء جمعية الكتّاب السياحيين ورفاق المهنة. تُقام مراسم الجنازة في الثانية عشرة من ظهر يوم الاثنين 27 مايو 2013 بكنيسة المرعشلي في حي الزمالك بالقاهرة، ويُفتح باب العزاء في الكنيسة ذاتها اعتباراً من السادسة مساءً.






