Al Masalla-News- Official Tourism Travel Portal News At Middle East

كشف أسرار جديدة عن دمغات الفضة كقرائن أثرية لتأريخ ونِسبَة التُّحَف الفِضِّيِّة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المسلة السياحية 

 

 

كتب  : د. عبد الرحيم ريحان

 

 

القاهرة – دراسة جديدة للباحثة آلاء أحمد بكير مديرة القسم التعليمى بمتحف المركبات الملكية بوزارة الآثار تحت عنوان “دراسة دمغات الفِضَّة كقرائن أثرية لتأريخ ونِسبَة التُّحَف الفِضِّيِّة – دراسة أثرية تحليلية في ضوء مجموعة تُحَف غير منشورة من مُتْحَف الفن الإسلاميّ بالقاهرة” .. ألقتها ضمن فعاليات المؤتمر الثانى لمعهد الدراسـات العليـا للبـردى والنقـوش وفنـون الترميـم الذى انعقد تحت رعاية الدكتور عبد الوهـاب عـزت رئيـس جامعـة عين شمس ، والدكتور عبد الناصر سنجاب نائب رئيس الجامعة لشئون الدراسات العليا والبحوث فى الفترة من 28 إلى 29 أبريل بدار الضيافة بجامعة عين شمس، والمشـرف العام على المؤتمـر الدكتـور محمـد أحمـد كشـاف عميد المعهد.

 

وتشير الباحثة آلاء أحمد بكير إلى أن معدن الفِضَّة من المعادن الثمينة القيِّمة التي توجد مُتحدة مع معادن أخرى ويندُر وجودها نقية، وتُعَد أكثر المعادن قبولاً للطرق بعد الذهب، فالفِضَّة النقية أشد صلابة من الذهب وأكثر مرونة من النحاس، وهي تُعَد معدن ليِّن حين يكون نقيًا لذلك تُخلَط مع نِسبة من معدن آخر لا يؤثر على اللون ليعطيها صلابة مناسبة.

 

ومن هنا جاءت الحاجة إلى البحث عن آليات لحفظ التحف والمصوغات التي تصنع من هذا المعدن من الغِش، وقد تطور هذا الأمر ومر بمراحل عديدة على مر الحِقَب التاريخية حتى وصل إلى دمغها بدمغات تُثبِت عدم تعرضها للتلاعب في نسبة الفِضَّة  المصنوعة منها.

والدمغة في التركية (تمغا وطامغة)، معناها السمة والوسم والعلامة والأثر والطابع والروشم، وهى في العربية من الفعل دَمَغ، ودَمَغَ المعدن ونحوه أي وسمه أو طبعه بطابع خاص، وهي علامة تضعها الإدارة الحكومية المُختَصَّة؛ للتيقن من وزن وعيار المعادن.

 

وقد اقتصر دمغ المعادن على المعادن الثمينة التي تتمثل أشهر أنواعها في معدنيّ الذهب والفِضَّة اللذان يُصنَع منهما مُختلف أنواع التحف والحُلي؛ وذلك لما لهما من قيمة كبيرة، ونظرًا لهذه القيمة والأهمية ظهر نظام الرقابة على الصاغة منذ بدايات العصور الإسلاميّة؛ حيث أن علامات الدمغ على المعادن الثمينة لم تكن موجودة في الدول الإسلاميّة المبكرة قبل العُثمانيّين إلى أن أصبح دمغ المعادن مُنَظَّمًا وِفقًا لقوانين وقواعد.

 

هدف الدراسة

 

وتؤكد الباحثة آلاء أحمد بكير أنها تهدف من هذه الدراسة إلى كشف الستار عن الدور المهم للدمغات في الدراسات الأثرية كقرائن يُمكِن الإعتماد عليها لتأريخ التحف ونِسبتها إلى القُطر الذي صُنِعَت فيه كل تحفة والتعرف على تطور آليات حِفظ التحف المصنوعة من الفِضَّة من الغِش والتلاعب على مر الحِقَب التاريخية، والتي بدأت بنظام الرقابة على الصاغة وصولاً إلى القوانين المُنَظِّمَة لدمغ هذا المعدن وإلقاء الضوء على الوظيفة البارزة التي لعبتها دمغات الفِضَّة كمرآة تعكس الأحداث التاريخية والأوضاع السياسية والإقتصادية للبلدان وإبراز أهمية دمغات الفِضَّة في القيام بدور التحليل الكيميائي للمعدن! وذلك بما تسمح به هذه الدمغات من التأكد من نوعه والكشف عن نِسبة الفِضَّة فيه أي عياره.

 

مراكز فحص ودمغ التحف

 

وعن مراكز فحص ودمغ التحف والمصوغات الفِضِّيِّة في الدولة العُثمانيّة توضح الباحثة آلاء أحمد بكير  أن  مركز الفحص أو الدمغ يعد جزءً من دار الضرب، واستمر في عمله في اسطنبول حتى انهيار الدولة العُثمانيّة وقد أُنشِئت مراكز الفحص المحلية في الأقاليم العثمانية كفروع لمركز الفحص المركزي باسطنبول، ومن خلال دمغات الفِضَّة الباقية يُمكِن استنتاج أن هذه المراكز أقيمت للمرة الأولى في عهد السلطان عبد المجيد في إزمير وسيواز ودمشق، حيث أن إسم المدينة أُدرِج في هذه الدمغات مع لطغراء، أما مِصر فكانت  مستثناه حيث أن الدمغات لم تتضمن أسماء المدينة،  وخلال عهد السلطان محمد رشاد صار إلزاميًا أن يتم دمغ إسم المدينة التي يوجد فيها مركز الفحص.

 

دمغ الفضة

 

تشير الباحثة آلاء أحمد بكير إلى كتابات الرحالة العثماني أوليا جلبي الذى ذكر (عندما يُحضِر صائغي الفِضَّة  أعمالهم لدمغها يقوم المسئول عن عملية فحص المعادن بحفر عينة من الفِضَّة من كل تحفة عن طريق أداة عبارة عن قلم من الحديد ثم يُسقِطها في النار، وعند نزعها إذا تبقى كرية بيضاء براقة من الفِضَّة يقوم بضرب الدمغة السلطانية)  فالدمغ يتم إذا أظهرت نتيجة الإختبار أن الفِضَّة تتوافق مع عيار 900 جزء من الألف.

 

آلية التنفيذ

 

وتوضح الباحثة آلاء أحمد بكير عن أن آلية تنفيذ هذه الدمغات والأدوات المستخدمة لذلك أنه كان يتم دمغ التحف الفِضِّيِّة التي يتم فحصها عن طريق أداة من الصلب أشبه بقلم على مقدمته شكل الدمغة المراد ضربها محفورة بشكلٍ غائر بحيث تكون معكوسة حتى تظهر على السطح المراد ضربها عليه بالشكل الطبيعي المطلوب ،ويتم ضرب الدمغة عن طريق وضع هذه الأداة على المكان المراد ثم يتم الضرب على الطرف الآخرالعلوي لها بمطرقة،  وتعد أشهر الوظائف التي ترتبط بعملية فحص ودمغ الفِضَّة هي الجاشنجي وهو الشخص الذي كانت مهمته فحص  وتحليل المعادن.

 

القوانين المُنظِّمَة

 

وكانت هناك قوانين منظمة لعملية فحص ودمغ التحف والمصوغات الفِضِّيِّة في مِصر حيث تشير الباحثة آلاء أحمد بكير إلى وثيقة موجهة إلى حاكم مِصر ورئيس القُضاة مؤرخة بعام (983هـ/ 1575م) خلال فترة حكم السلطان العُثمانيّ مراد الثالث. تأمر بأن تُرسَل أداة الفحص من اسطنبول وتسليمها لموظف الفحص في دار الضرب في مِصر، وأن هذه الدمغة تضرب فقط على الفِضَّة الجيدة، وقد صدر أول قانون يُنَظِّم دمغ المصوغات في مِصر عام (1264هـ/ 1847م) أي في عهد الخديوي عباس حلمي الأول وكان تطبيقه إختياريًا.

 

أما في عام (1332هـ/ 1913م) أي في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني (1310- 1333هـ/ 1892- 1914م) صدر قانون ثاني وفيه تم إقرار أربع درجات لعيار الفِضَّة وهي 90، 80، 60، 45. ونص القانون على ضرورة دمغ المصوغات إلا أنه لم يجعل هذا الأمر مُلزِم.

 

 

قراءة فى القانون

 

تمكنت الدراسة من خلال قراءة نص هذا القانون من استبيان إقراره لثلاثة أشكال مختلفة لدمغات الفِضَّة، ففى عام (1335هـ/ 1916م)، خلال فترة حكم السلطان حسين كامل  (1333-1335هـ/ 1914-1916)، صَدَر قانون جديد يجعل لزامًا على جميع صائغي المصوغات دمغ جميع الأواني الفِضِّيِّة. وبموجب هذا القانون لم يَعُد مسموحًا بالفِضَّة ذات العيار 45، ومنذ صدور ذلك القانون، استُخدِمَت دمغة الحروف الأبجدية التي تُدمَغ بجوار دمغة العيار وشارة الفِضَّة. لتدل على تاريخ فحص ودمغ المصوغ. فكان يتم إعطاء حرف رمزي واحد للدمغة الذي كان يتم تغييره كل عام. وقد استُخدِمَت الحروف الإنجليزية في أول الأمر لأن مِصر كانت تحت الإحتلال البريطاني. وفي عام (1359هـ/ 1940م) بدأت رموز دمغات المنتجات الفِضِّيِّة في الظهور بأحرف عربية وذلك نتيجة جهود إنهاء الإستعمار.

 

شارات الفِضَّة  المصنوعة في مصر

 

تنوه الباحثة آلاء أحمد بكير إلى أن شارات الفِضَّة في مِصر قد تنوعت في الأعوام المختلفة حيث كان في أعوام عبارة عن رمز القط بذيل مرفوع، وأعوام أخرى كما تقدَّم قد يكون قط بذيل منخفض، وأعوام تالية أصبحت ذات شكل زهرة اللوتس.

 

أنواع دمغات الفِضَّة

 

قسمت الدراسة دمغات الفِضَّة  في ضوء ما ورد على التحف محل البحث  إلى عدة أنواع منها دمغة الطغراء التي تُعَد من أهم أنواع دمغات التحف الفِضِّيِّة التي من شأنها حسم أمر تأريخ التحفة الواردة عليها، إلا أنها في إطار التحف محل الدراسة مثَّلَت صعوبة كبيرة في قراءتها، إذ أنها فضلاً عن حجمها الصغير جدًا الذي لا يتعدى قيد الأنملة، فهي من حيث درجة وضوح معالمها ودمغها في المعدن تظهر بشكلٍ ممحو.

 

إلا أن الدراسة اتبعت في مثل هذه الحالات منهج عقد المقارنات مع الطغراوات التي وصلتنا يتمثل في محورين الأول هو محاولة تفسير قراءة الطغراء اعتمادا على طغراوت سلاطين العثمانيين ويتمثل الثاني في مقارنة السمات البارزة للشكل العام وأشكال الحروف،وقد امتازت دمغات الطغراوات للفِضَّة بسمات ومميزات عامة ساهمت بشكلٍ واضحٍ في أمر تأريخ التحف المشتملة عليها، تلك السمات التي كانت عوضاً عن عدم وضوح حروف الطغراء.

 

جودة عيار الفِضَّة

 

تطرقت الباحثة آلاء أحمد بكير لجودة عيار الفضة موضحة أنه في تركيا، قبل عام (1260هـ/ 1844م)  كان عيار التحف الفِضِّيِّة يجب أن يكون على الحد الأدنى من جودة 800 على ألف، ومنذ ذلك التاريخ أصبح 900 على ألف، أما في مِصر فقد بَرَزَ من خلال هذا الشأن الدور الذي لعبته الدمغات كمِرآة للأحداث التاريخية والأحوال السياسية والإقتصادية، حيث أنه في أوقات الشدة الاقتصادية عندما تصبح الفِضَّة نادرة، من المعروف أن المنتجات تُصنَّع من فِضَّة أقل من 900 المعيار المعتاد، وتشمل هذه الحالة التحف الفِضِّيِّة المصنوعة في مِصر تحت حكم الخديوية خلال فترة حكم السلطان عبد المجيد الأول والسلطان عبد العزيز وذلك بعدما تمرَّد والي مِصر محمد علي باشا على الدولة العثمانية فتم تخفيض مستوى جودة عيار الفِضَّة إلى 800.

 

إذًا بناءً على ما تقدم يتضح أنه في الوقت الذي تم إقرار جودة عيار الفِضَّة  90 في تركيا أصبحت  في مِصر 80.  وقد وردت دمغة جودة العيار 80 على تحف عديدة تعود إلى هذه الفترة حيث تشتمل على دمغة طغراء  السلطان عبد المجيد الأول أو دمغة طغراء السلطان عبد العزيز أو تشتمل على التاريخ مما أمكن نسبة صناعتها إلى مصر في الوقت نفسه وردتنا تحف تحمل إسم السلطان عبد المجيد الأول  أو إسم السلطان عبد العزيز تحمل جودة عيار 90 مما أمكن نسبة صناعتها إلى تركيا.

 

دمغة صح

 

ومن أنواع الدمغات التي استطاعت الدراسة تمييزها دمغة (صح) وقد ظهرت دمغة “صح” للتحف المصنوعة من الفِضَّة، بعد إصلاح معيار الفِضَّة في عهد السلطان العُثمانيّ عبد المجيد الأول حيث أصبح كلٍ من دمغة الطغراء السلطانية ودمغة “صح” تدمغان على التحف التي تتوافق مع المعيار الرسمي للفِضَّة، ويكون دمغها للدلالة على أن هذه التحفة سليمة ولا غِش في نسبة الفِضَّة فيها.

 

وتعد هذه الدمغة خير معين في ترجيح تأريخ تلك التحف التي يستحيل تفسير قراءة دمغة الطغراء الواردة عليها. حيث تمكنت الدراسة من تمييز عدة أشكال لها على اختلاف فترات حكم السلاطين العثمانيين منذ تاريخ إقرارها، بحيث يمكن تمييز كل شكل لها أنه يُعد من سمات دمغة (صح) التي وردت على التحف المصنوعة في عصر أي من سلاطين العثمانيين.

نتائج الدراسة

 

توصلت الباحثة لعدة نتائج حيث كشفت من خلال هذه الدراسة أن دمغات الفِضَّة تُعَد أحد أهم القرائن الأثرية التي يمكن الإتكاء عليها لتأريخ ونسبة العديد من التحف المصنوعة من هذا المعدن، وإلقاء الضوء على نوع هام من العناصر (إن صح التعبير) ألا وهي الدمغات والتي لم تتطرق إليها الدراسات العربية التي تناولت تحف مصنوعة من المعادن الثمينة بشكلٍ مستفيض، وكذلك إضافة جديد فيما يتعلق بالتحف التي كانت قد نُشِرَت من قبل، كما أفادت هذه الدراسة في تأريخ العديد من التحف المصنوعة من الفِضَّة والتي كانت غير مؤرخة، وتحديد تاريخ بعض التحف التي قد سبق نشرهم بشكل أكثر دقة إلى عهد سلطان بعينه.

 

ونَسَبَت الدراسة بعض التحف إلى الأقطار التي صُنِعَت فيها اعتمادًا على السمات والمميزات التي تميزت بها الدمغات، عن طريق تتبع أشكال الدمغات تبين تعدد أنواع وأشكال دمغات الفِضَّة وذلك تطبيقاً على التحف محل البحث منها ما تم دراسته من قبل مع إغفال هذه الدمغات تمامًا، ومنها ما يُنشَر لأول مرة.

 

وقد ميزت الدراسة ما بين هذه الأنواع المختلفة، ورغم عدم وضوح عدد من الدمغات خاصة تلك المعروفة بدمغة الطغراء السلطانية إلا أنه عن طريق عقد المقارنات أمكن ترجيح أي السلاطين الذي تخصه، وتمثل هذه الطغراوات إضافة جديدة لمجال دراسة الطغراوات على المواد الأخرى المختلفة عن طريق إبراز وظيفة جديدة في المجال الإقتصادي كعلامة تضمن معايير محددة من النقاء تُدمَغ على الفِضَّة تلك التي لم تتطرق الدراسات كثيراً إلى إبرازها، ويمكن من خلال هذه الدمغات إستكمال تتبع تطور الطغراوات الخاصة بالسلاطين العُثمانيّين.

 

كما أبرزت الورقة البحثية أهمية دمغات الفِضَّة في حسم المادة المصنوع منها التحفة والقيام بدور التحليل الكيميائي للمعدن، للكشف عن نسبة الفِضَّة فيه والتأكد من نوعه وعياره! حيث قد تبين أنه قبل دمغ الفِضَّة بدمغاتها المختلفة تمر بمراحل فحص وتأكد من جودتها ونسبة الفِضَّة فيها وعيارها، فتنعكس نتائج هذه الإختبارت وتُسَجَّل في الدمغات كشاهِدٍ على ذلك! بل واستبيان عيارها أي درجة نقاء معدن الفِضَّة  المُستَخدَم في صنعها.

 

وكشفت الدراسة الغطاء عن الدور البارز الذي لعبته دمغات الفِضَّة كمرآة للأحداث التاريخية والأوضاع السياسية والإقتصادية وهو ما تبين على سبيل المثال خلال فترة تمرد محمد علي على السلطان العُثمانيّ ودخوله في حروب أدت بطبيعة الحال إلى التأثير على الوضع الإقتصادي وخفض مستوى عيار الفِضَّة ووضحت الدراسة مواضع دمغات الفِضَّة على التحف.

 

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Disabled
%d مدونون معجبون بهذه: