Al Masalla-News- Official Tourism Travel Portal News At Middle East

جانبى طويل
جانبى طويل

سيدي عبد الرحيم القناوي.. رحلة من المغرب إلى قلب الصعيد

واجهة مسجد سيدي عبد الرحيم القناوي في مدينة قنا

إن جئت إلى قنا دون خريطة وسألت أول عابر سبيل عن وجهتك، فسيشير في اتجاه واحد، نحو مئذنة مسجد سيدي عبد الرحيم القناوي. هذا المكان ليس مجرد معلم على خريطة المدينة، بل هو مركز الثقل الذي تدور حوله قنا منذ ثمانية قرون. في الصباح تُتلى فيه آيات القرآن الكريم، وفي النهار تعجّ الأزقة المحيطة به بالباعة والمارة، وفي المساء يجتمع حوله الشيوخ والكهول، ومرة في العام يتحول كل هذا إلى واحد من أعظم المهرجانات الشعبية في مصر.

أما الولي الذي تحمل المسجد اسمه فقد جاء من المغرب الأقصى في القرن الثاني عشر الميلادي ولم يغادر. وُلد سيدي عبد الرحيم بن أحمد بن حجون عام 521 هجرية، الموافق 1127 ميلادية، في مدينة ترغاي بإقليم سبتة، من نسب شريف يتصل بالإمام الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. تلقّى علومه على يد كبار علماء المغرب، ثم رحل إلى دمشق حيث استزاد من علوم المشرق، قبل أن تستدعيه مكة المكرمة لأداء فريضة الحج. وهناك، في رحاب البيت الحرام، التقى بالشيخ مجد الدين القشيري القادم من مدينة قوص، فأقنعه بأن صعيد مصر في أمسّ الحاجة إلى عالم من أمثاله. أمضى ثلاثة أيام في قوص ثم واصل طريقه إلى قنا كأنما يقوده خيط غير مرئي. هنا استقر، واتخذ التجارة وسيلةً للمعاش، والتعليم رسالةً للحياة، وصارت قنا وطنه الذي اختاره بإرادته ولم يتركه حتى آخر يوم في حياته.

المسجد الذي نما فوق ضريحه منذ العهد الأيوبي هو اليوم أكبر مساجد محافظة قنا، تبلغ مساحته الكلية نحو 12259 متراً مربعاً ما يعادل ثلاثة أفدنة تقريباً، بأروقة مقوّسة فسيحة ومئذنة شاهقة تُرى من بعيد. في داخله سكينة خاصة لا تجدها إلا في الأماكن التي يأتي إليها الناس بحاجات حقيقية. يقول كثير من المترددين عليه إن الدعاء في رحابه يوم الأربعاء له من القبول ما لا يُوصف، ويشهد على ذلك ازدحامه في هذا اليوم بالتحديد.

غير أن قنا الحقيقية تتجلى في شهر شعبان. منذ مطلعه تبدأ المدينة في التبدّل؛ تُنصب الخيام، ويتوافد الزوار من الأقصر وأسوان، ومن القاهرة وسائر المحافظات، ومن دول عربية شقيقة. وحين تحلّ ليلة النصف من شعبان يتحول الميدان المحيط بالمسجد إلى بحر بشري لا يُرى له ساحل. تُفتح البيوت على مصاريعها وتُقدَّم الضيافة لكل قادم، وتتعالى حلقات الذكر والإنشاد، وتُحيي الطرق الصوفية شعائرها وسط أجواء تجمع بين الخشوع والبهجة والانتماء. يستمر هذا كله خمس عشرة ليلة متواصلة. مولد سيدي عبد الرحيم القناوي واحد من أعرق الموالد الصوفية في مصر وأكثرها حيويةً، يختلف عمّا يمكن مشاهدته في أي مكان آخر.

كثير من المسافرين عبر صعيد مصر لا يرون في قنا سوى محطة عبور بين الأقصر ودندرة. هذا خطأ يستحق التصحيح. المدينة تستأهل وقفة، ولو لساعات، للدخول إلى المسجد والمشي تحت أقواسه العتيقة وإدراك لماذا اختار مغربي طاف نصف العالم أن يجعل من هذا المكان وطنه الأخير ولم يتطلع بعده إلى رحيل.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

error: Disabled