الدار البيضاء "المسلة" ….. أعلنت الخطوط الملكية المغربية (RAM، "لارام") — الناقل الوطني للمملكة المغربية — عن ضم أول طائرة من طراز بوينغ 787-8 دريملاينر إلى أسطولها. ويُمثّل هذا الحدث أبرز محطة في تاريخ الشركة خلال السنوات الأخيرة، ويفتح آفاقاً جديدة أمام تطوير شبكة الرحلات الدولية بعيدة المدى.
إن وصول الدريملاينر بألوان "لارام" ليس مجرد إضافة إلى الأسطول، بل هو إشارة واضحة إلى تحوّل استراتيجي نحو التوسع القاري بعيد المدى. تتميز طائرة بوينغ 787 عن سابقاتها بهيكل من الألياف الكربونية المركّبة، ومحركات من الجيل الجديد، فضلاً عن ضغط هواء داخل المقصورة أعلى مما هو معتاد في الطائرات التقليدية — وهو ما ينعكس مباشرةً على راحة الركاب في الرحلات الطويلة. يُضاف إلى ذلك أن استهلاك الوقود أقل بنسبة تتراوح بين 20 و25% مقارنةً بالطائرات المماثلة من الجيل السابق، مما يوفر للشركة وفورات حقيقية على المسارات التي تتجاوز ثماني ساعات طيران.
الأسطول: نحو التوحيد والتحديث
يندرج اقتناء الدريملاينر في سياق سياسة التوحيد التدريجي للأسطول التي تنتهجها "لارام" منذ مطلع العقد الحالي. ففي عام 2011 أوقفت الشركة تشغيل جميع طائرات إيرباص A321 من أسطولها، مؤكدةً رهانها الكامل على طائرات بوينغ. يقوم الأسطول اليوم على طائرات بوينغ 737 بمختلف إصداراتها في الخطوط الإقليمية ومتوسطة المدى، وطائرات بوينغ 767 على المسارات الدولية البعيدة. وتتمثّل مهمة 787 في الاضطلاع تدريجياً بأطول الرحلات، وتخفيف الضغط عن طائرات 767 المتقدمة في العمر.
يمنح توحيد الأسطول الشركة مزايا ملموسة، أبرزها:
- قاعدة قطع غيار موحّدة تُخفّض تكاليف الصيانة وتُسرّع إجراءات الإصلاح
- تقليص أعباء تدريب الكوادر التقنية نظراً لاعتماد نوع واحد من المُصنّع
- إدارة أكثر مرونة لطائرات الاحتياط وجدولة الرحلات في حالات الطوارئ
- تعزيز القدرة التفاوضية مع بوينغ بما يُتيح شروطاً أفضل عند تجديد الأسطول
وفي ظل المنافسة المتصاعدة من شركات الطيران المنخفض التكلفة التي باتت تستهدف السوق المغربية بصورة متزايدة، يغدو هذا التوجه عاملاً محورياً في الحفاظ على ربحية الناقل الوطني.
الدار البيضاء مركزاً جوياً بين ثلاث قارات
لا يمكن فصل إدخال الدريملاينر في الخدمة عن الاستراتيجية الأشمل الرامية إلى تحويل مطار محمد الخامس إلى مطار محوري إقليمي من الدرجة الأولى. فالموقع الجغرافي للدار البيضاء — على مفترق طرق أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط — يهيّئ الظروف الموضوعية لتحوّل المدينة إلى نقطة عبور بين القارات. وقد عمدت "لارام" إلى استثمار هذا الموقع بصورة منهجية خلال السنوات الأخيرة: ففي 2011 فُتحت خطوط إلى موسكو وبيساو ولواندا، وفي 2013 إلى لاس بالماس وتينيريفي الشمالي، وفي 2014 إلى إنجامينا. ويفتح الطراز الجديد آفاق رحلات مباشرة نحو أمريكا الشمالية وآسيا، وهي وجهات ظلّت بعيدة المنال دون توقف وسيط.
الأهمية للمسافر العربي
يحتل السوق العربي مكانة بارزة في حجم مسافري "لارام". وتحظى الرحلات القادمة من مصر ودول الخليج العربي والشرق الأوسط إلى المغرب بطلب ثابت، سياحياً وتجارياً على حدٍّ سواء. وتحافظ الشركة على رحلات منتظمة إلى القاهرة ودبي والرياض، إلى جانب رحلات خاصة موسم العمرة لخدمة الحجاج من الدول العربية.
ويغيّر وصول الدريملاينر المعادلة أيضاً بالنسبة للمسافرين العرب العابرين نحو أمريكا الشمالية أو الجنوبية: إذ يمكن للدار البيضاء، بحكم موقعها الجغرافي المتميز، أن تصبح بديلاً حقيقياً عن المطارات الأوروبية كنقطة تحويل. ويُسهم قطاع السياحة بنحو 7% من الناتج الداخلي الخام للمملكة المغربية، مما يوفر فرص عمل لأكثر من مليونين ونصف مليون شخص. ولذلك لا يُنظر إلى إدخال أول دريملاينر في الخدمة باعتباره حدثاً مؤسسياً فحسب، بل بوصفه ركيزة من ركائز الاستراتيجية السياحية الوطنية للمملكة.






